أحمد بن يحيى العمري
100
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فلما رآني ، قال لي : يا شيخ ! ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ؟ . وقال : كنت ببغداد في جامع المدينة ، وهناك جماعة من الفقراء ، فأقبل شاب ظريف ، حسن الوجه طيب الرائحة ، فقلت لأصحابنا : يقع لي أنه يهودي ! ، وكلّهم كرهوا ذلك ، فخرجت ، وخرج الشاب ، ثم رجع إليهم ، وقال : أيش قال الشيخ فيّ ؟ . فاحتشموه ، فألحّ عليهم ، فقالوا : قال : إنك يهودي ! . قال : فجاءني وأكبّ علي يدي يقبّلها ، وأسلم ! . فقيل له : ما السبب ؟ . قال : نجد في كتابنا أن الصّدّيق لا تخطئ فراسته ، فقلت : أمتحن المسلمين ، فتأمّلتهم . فقلت : إن كان فيهم صدّيق ؛ ففي هذه الطائفة ، فلبّست عليكم ؛ فلما اطّلع هذا الشيخ عليّ ، وتفرّس فيّ ، علمت أنه صدّيق ، وصار ذلك الشاب من كبار الصوفية . وقال الخوّاص : تهت في البادية أياما ، فجاءني شخص ، وسلّم عليّ ، وقال لي : تهت ؟ . فقلت : نعم . فقال : ألا أدلّك على الطريق ؟ . ومشى بين يدي خطوات ، ثم غاب عن عيني ، وإذا أنا على الجادة ، فبعد ذلك ما تهت ، ولا أصابني في سفري جوع ولا عطش . « 1 » وقال بعض الصالحين : كنت في جماعة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، نتجارى الآيات ، ورجل ضرير بقرب منا يسمع ، فتقدّم إلينا ، وقال : قد أنست بكلامكم ، اعلموا أنه كان لي صبية وعيال ، وكنت أخرج إلى البقيع أحتطب ، فخرجت يوما ، فرأيت شابا عليه قميص كتان ، ونعله في إصبعه ، فتوهّمت أنه تائه ، فقصدته لأسلب ثوبه ، فقلت : انزع ما عليك . فقال : مرّ في حفظ الله . فقلت له ثانيا ، وثالثا . فقال : لا بد . فقلت : لا بد . فأشار بإصبعه من بعيد إلى عينيّ ، فسقطتا ! . فقلت : بالله عليك من أنت ؟ . فقال : إبراهيم الخوّاص . « 2 »
--> ( 1 ) الكواكب الدرية للمناوي 1 / 332 . ( 2 ) الكواكب الدرية للمناوي 1 / 330 - 331 .